عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
267
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وأما الصلاة : فإنها عبارة عن واحدية الحق تعالى ، وإقامتها إشارة إلى إقامة ناموس الواحدية بالاتصاف بسائر الأسماء والصفات ، فالطهر عبارة عن الطهارة من النقائص الكونية ، وكونه يشترط بالماء إشارة إلا أنها لا تزول إلا بظهور آثار الصفات الإلهية التي هي حياة الوجود ، لأن الماء سرّ الحياة ، وكون التيمم يقوم مقام الطهارة للضرورة إشارة للتزكي بالمخالفات والمجاهدات والرياضات ، فهذا لو تزكى عسى أن يكون فإنه أنزل درجة عمن جذب عن نفسه فتطهر عن نقائصها بماء حياة الأزل الإلهي ، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله : « آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها » « 1 » فآت نفسي تقواها إشارة إلى المجاهدات والمخالفات والرياضات ، وقوله : « وزكها أنت خير من زكاها » إشارة إلى الجذب الإلهي لأنه خير من التزكي بالأعمال والمجاهدات ؛ ثم استقبال القبلة إشارة إلى التوجه الكلي في طلب الحق ؛ ثم النية إشارة إلى انعقاد القلب في ذلك التوجه ، ثم تكبيرة الإحرام إشارة إلى أن الجناب الإلهي أكبر وأوسع مما عسى أن يتجلى به عليه فلا يقيده بمشهده ، بل هو أكبر من كل مشهد ومنظر ظهر به على عبده فلا انتهاء له ، وقراءة الفاتحة إشارة إلى وجود كماله في الإنسان لأن الإنسان هو فاتحة الوجود ، فتح اللّه به أقفال الموجودات ، فقراءتها إشارة إلى ظهور الأسرار الربانية تحت الأسرار الإنسانية ؛ ثم الركوع إشارة إلى شهود انعدام الموجودات الكونية تحت موجود التجليات الإلهية ؛ ثم القيام عبارة عن مقام البقاء ، ولهذا يقول فيه سمع اللّه لمن حمده ، وهذه كلمة لا يستحقها العبد لأنها إخبار عن حال إلهي ، فالعبد في القيام الذي هو إشارة إلى البقاء خليفة الحق تعالى ، وإن شئت قلت عينه ليرفع الإشكال ، فلهذا أخبر عن حال نفسه بنفسه ، أعني ترجم عن سماع حقه ثناء خلقه ، وهو في الحالين واحد غير متعدد ؛ ثم السجود عبارة عن سحق آثار البشرية ومحقها باستمرار ظهور الذات المقدسة ؛ ثم الجلوس بين السجدتين إشارة إلى التحقق بحقائق الأسماء والصفات ، لأن الجلوس استواء في القعدة ، وذلك إشارة إلى حقيقة قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ « 2 » اسْتَوى ؛ ثم السجدة الثانية إشارة إلى مقام العبودية ، وهو الرجوع من الحق إلى الخلق ؛ ثم التجليات إشارة إلى الكمال الحقي والخلقي ، لأنه عبارة عن ثناء على اللّه تعالى وثناء على نبيه وعلى عباده الصالحين ، وذلك هو مقام الكمال ، فلا يكمل الوليّ إلا بتحققه بالحقائق الإلهية واتباعه لمحمد
--> ( 1 ) مسلم في : الذكر ( 73 ) ، وأحمد 4 / 371 ، و 6 / 209 . ( 2 ) آية ( 5 ) سورة ( طه ) .